عفيف الدين التلمساني

144

شرح مواقف النفري

رأى ؛ إذ لا يقتصر على مضمون العبارة بل ينظر بعين الشهود الوحداني فيشارك أهل شهوده ، فهذا معنى قوله صفة رؤيته ولم يقل رؤيته . وأما اقتصاره على العلو والسفل والطول والعرض ففيه معنى شريف ؛ إذ لو أراد نفس الجهات لا يستدعي ذلك ذكر سننه ، لكن ذلك إنما يكون في المحويات خاصة وهو يريد ما هو أوسع حيطة من ذلك ، ولو أراد نفس الجسم لا يكتفي فيها بثلاثة وهي الطول والعرض والعمق ، لكنه ذكر أربعة وهي العلو والسفل والطول والعرض ، وأراد بالعلو واللّه أعلم ما يلي نقطة وسط محدب قوس الكرة مما لا بداية إلى نقطة مقعر قوس الكرة واحدا إلى غير نهاية وهو السفل ، وأراد بالطول واللّه أعلم ما يلي نقطة محدب الكرة من جانب مشرق الشمس إلى غير نهاية ، وبالعرض ما يلي نقطة محدب القوس من ناحية الجنوب إلى غير نهاية ، فهذه أربعة أبعاد ويجمعها بعدان متقاطعان . وقال الأكثرون من الفلاسفة إلى أن الأبعاد متناهية ، وأدلتهم على ذلك غير وافية بالمطلب . قوله : « وما بين ذلك » يعني من الموجودات المتناهية ، قوله : « وما كل ذلك » إشارة إلى أن الموجودات التي بين ذلك هي بعض ما غير ذلك ، فكأنه يقول إن جوهر العالم واحد . قوله : « فيما ظهر مقام » إشارة إلى المولدات والأمهات ، قوله : « وفيما سخر فدام » يعني الأفلاك وقوى الوجود الكلية ، قوله : « فشهد وجوه ذلك » إشارة إلى ملاحظة الوحدانية في الكثرة ، فإن الوجود واحد ، والموجودات كثيرة وتمايز الوجود بالإعدام لتعينه . قوله : « راجع بأبصارها إلى أنفسها » معناه كما تقدم انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بنفوسهم ، وهنا حال من أحوال العارفين ، وهو أنه يراها شاخصة بأبصارها إلى مواقع الوجود منها من حيث النظر الذي أثبت فيها الوجود كما ذكر بعد ، فربما ظن ذلك خارجا عنه وليس كذلك بل حقائقها التي في وجود الشاهد هي التي شاخصة إلى أنفسها من نفس شخوصه هو إلى نفسه ، لكن الإخبار في هذا التنزل هو على مقدار ما يراه في بادىء الشهود ، فإنه مما بعد يتنبه على ما قلته لا في بادي الرأي إذ بادي الرأي هو أن يراها هي شاخصة إلى أنفسها . قوله : « إذ لا تستطيع كل جزئية منها أن تصل إلا إلى أجزائها » أي أنفسها ؛ وذلك لأن الجزئيات لها تعين ولا تقدر أن ترى من حيث هي متعينة إلا ما كان